محمد بن جرير الطبري
214
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وعكرمة : قوله : ولا تزال تطلع على خائنة منهم من يهود مثل الذي هموا بالنبي ( ص ) يوم دخل عليهم . وقال بعض القائلين : معنى ذلك : ولا تزال تطلع على خائن منهم ، قال : والعرب تزيد الهاء في آخر المذكر كقولهم : هو راوية للشعر ، ورجل علامة ، وأنشد : حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغل الإصبع فقال خائنة ، وهو يخاطب رجلا . والصواب من التأويل في ذلك القول الذي رويناه عن أهل التأويل ، لان الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله ( ص ) وأصحابه ، إذ أتاهم رسول الله ( ص ) يستعينهم في دية العامريين ، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد هموا به . ثم قال جل ثناؤه بعد تعريفه أخبار أوائلهم وإعلامه منهج أسلافهم وأن آخرهم على منهاج أولهم في الغدر والخيانة ، لئلا يكبر فعلهم ذلك على نبي الله ( ص ) ، فقال جل ثناؤه : ولا تزال تطلع من اليهود على خيانة وغدر ونقض عهد . ولم يرد أنه لا يزال يطلع على رجل منهم خائن ، وذلك أن الخبر ابتدئ به عن جماعتهم ، فقيل : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ، ثم قيل : ولا تزال تطلع على خائنة منهم ، فإذ كان الابتداء عن الجماعة فلتختم بالجماعة أولى . القول في تأويل قوله تعالى : فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين . وهذا أمر من الله عز ذكره نبيه محمدا ( ص ) بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود ، يقول الله عز وجل له : اعف يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل ، واصفح لهم عن جرمهم